
تهدف الحرب النفسية إلى تحقيق أهداف استراتيجية دون استخدام القوة المُفرطة، وتُستخدم في مراحل السلم والحرب لتشكيل الرأي العام، وإرباك القيادة العسكرية للخصم، وبيئته الشعبية، وتحقيق انتصارات غير عسكرية، وإخضاع الطرف الآخر وإقناعه بعدم جدوى المقاومة.
أنا ميت يا عائلتي،
إنها مأساة، يا لها من مأساة!
فيا أصدقائي، ما دمتم على قيد الحياة،
عودوا إلى دياركم!
عودوا إلى دياركم يا أصدقائي قبل فوات الأوان».
هذا المقطع المُسجّل بأصوات مقاتلين فيتناميين، كانت تبثّه القوات الأميركية عبر مكبّرات الصوت في حرب فيتنام لتبثّ الرعب في قلوب قوات «الڤيت - كونغ» الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام، وتدمير إرادة القتال لديهم.
يُعتبر هذا الأسلوب من أساليب الحرب النفسية التي تهدف إلى التأثير على معنويات العدو وأفكاره بغرض إضعاف إرادته للقتال، ففي الحرب النفسية تُستخدم وسائل متعدّدة تشمل الإعلام، والشائعات، والتضليل، والضغط السياسي والنفسي. وقد تكون-كما هو معروف- مصحوبة أو مكمّلة للحرب العسكرية.
تهدف الحرب النفسية إلى تحقيق أهداف استراتيجية دون استخدام القوة المُفرطة، وتُستخدم في مراحل السلم والحرب لتشكيل الرأي العام، وإرباك القيادة العسكرية للخصم، وبيئته الشعبية، وتحقيق انتصارات غير عسكرية، وإخضاع الطرف الآخر وإقناعه بعدم جدوى المقاومة.
في كتابه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، يقول المفكّر فرانتز فانون: «في العالم الاستعماري، لم يكن يكفي أن يُستَعبَد الإنسان، اقتصادياً وسياسياً، بل كان لا بدّ أن يُستَعبَد أيضاً نفسياً. فالاستعمار يصنع من المستعمَر شخصاً يحتقر ذاته ويعشق مضطهده».
في لبنان، لم تتوقف يوماً الحرب النفسية والإعلامية ضد حركات المقاومة من قبل الولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي، لكنّ أدواتها وأشكالها كانت تتغيّر وترتفع أو تنخفض وتيرتها بحسب الظروف. بعد وقف إطلاق النار، في 27 تشرين الثاني 2024، أخذت وتيرة الحرب النفسية والإعلامية في الارتفاع لتحقيق الأهداف التي لم تتمكن الحرب بوجهها العسكري من تحقيقها بشكل كامل.
استخدم العدو الإسرائيلي أسلوباً يشبه الأساليب التي استخدمتها القوات الأميركية في حرب فيتنام. بعد تجهيز الأشرطة المُسجّلة من قبل الأميركيين بأصوات عسكريين فيتناميين، نفَّذت القوات الأميركية العملية العسكرية، ميدانياً، وكانت مكبّرات الصوت الوسيلة الرئيسية لإيصال أصوات «تسجيلات الأشباح» لجنود شمال فيتنام، فقد كانت الثقافة الشائعة أنه إذا مات شخص نتيجة العنف ستبقى روحه تتجوّل بين الأحياء وتجلب الحظ السيّئ وتلعن الناس حتى تهدأ، فالجنود الذين يموتون في ساحات القتال يخاطرون، ليس بحياتهم فحسب، بل يصبحون أرواحاً ضائعة. ركَّبت القوات الأميركية، حينها، مُكبِّرات صوت على مروحيات وقوارب الدوريات البحرية السريعة.
كان الهدف من عملية «الروح المتجوّلة» نفسياً، محاولة لزيادة حالات الفرار والانشقاق من مقاتلي «الفيت - كونغ»، وإضعاف معنوياتهم، وإجبارهم، تالياً، على ترك الساحة بعد سلبهم إرادة القتال.
في جنوب لبنان، استخدم العدو الإسرائيلي أسلوباً مشابهاً عبر إرسال المُسيّرات فوق مناطق الجنوبيين، لتبثّ رسائل صوتية تحرّضهم فيها على طرد المقاومين من مناطقهم، كما تبثّ أصواتاً للطيران الحربي الإسرائيلي لخلق حالة رعب بين المواطنين والأطفال.
فعلى سبيل المثال، لاحقت مُسيّرة إسرائيلية المهندس طارق مزرعاني، منسّق «تجمّع أبناء القرى الحدودية الجنوبية»، والذي ينشط في مجال تثبيت حق عودة أبناء القرى الجنوبية الذين هجّرهم العدو الإسرائيلي. وأثناء ملاحقته، كانت المُسيّرة المعادية تبثّ شريطاً مسجّلاً باللغة العربية يقول: «الكذب والاحتيال في ديار حزب الله، واليوم أتى إليكم المهندس طارق مزرعاني لتستمرّ مؤامرتهم. اطردوهم، كي تعود الأرض ويتمّ الإعمار».
لم يوقف العدو الإسرائيلي عدوانه على لبنان، ولم يلتزم باتفاق وقف العدوان، فهو لا ينفكّ يستهدف، بالمُسيّرات وبالطيران الحربي، أفراداً أو منشآت، بشكل مكثّف، ولا يفرّق بين ما هو مدني واضح أو عسكري مزعوم، طالما أن هدفه زيادة التوتر عند الحاضنة الشعبية للمقاومة، فلا يفرّق بين رجال أو نساء أو حتى أطفال.
في هذا الإطار، يمكن وضع استهداف عائلة شادي شرارة، الذي ارتقى مع ثلاثه من أبنائه، فيما أصيبت زوجته وابنته بجروح جرّاء غارة إسرائيلية استهدفتهم، في وضح النهار. ويأتي في الإطار ذاته، اغتيال جرحى، كانوا قد أصيبوا في «مجزرة البيجر»، مثل الشهيدين حسن جميل عطوي، ومحمد علي قاسم حديد.
شكّلت عمليتا اغتيال عطوي وحديد، نموذجاً على تعمّد العدو زيادة الضغط النفسي والأذى الجسدي المباشر على عائلات المُستهدفين وبيئتهم العامة. ففي حالة الشهيد عطوي، انتظرت المُسيّرة المعادية زوجته زينب أرسلان لتخرج من المحل المجاور حيث كانت تتبضّع، وفي لحظة فتحها لباب السيارة لتلحق بزوجها، استهدفتهما معاً ليرتقيا شهيدين.
أمّا الشهيد حديد، فقد استهدفه العدو الإسرائيلي هو وزوجته داخل سيارتهما، بثلاثة صواريخ موجّهة، على مفترق بلدة الشرقية وسط بلدة الدوير، في مكان مكتظّ بالناس وحركة السير والمحالّ التجارية، ما أدّى إلى استشهاده وجرح زوجته وإصابة 6 من المارّة بجروح.
في موازاة كل ذلك، واكبت العدوان الإسرائيلي، المتعدد الأشكال، حملة إعلامية داخلية، لتلعب دوراً مكمّلاً يصبّ في خدمة الهدف المشترك ضد المقاومة وبيئتها.
لا يكاد يمر يوم من دون أن تنقل قنوات إعلامية لبنانية تقارير عن الإعلام العبري تحدّد مواعيد ومواقيت لبدء عدوان عسكري جديد على لبنان، وتبرز هذه التقارير نوايا العدو العدوانية متذرّعاً بعدم استسلام حزب الله. تقدّم هذه القنوات تلك التقارير بأسلوب تهديدي لحزب الله وبيئته، حتى يخال المشاهد أن هذه القنوات عبرية وليست لبنانية.
المقاربة الإعلامية المعادية نفسها تندرج على بعض الصحف اللبنانية أيضاً. تقدّم صحيفة «نداء الوطن» مثالاً فاضحاً. ففي مقارنة سريعة لخطابها في حادثتين منفصلتين مع عناصر الجيش اللبناني، نلحظ أن خطابها يُجهِّل الفاعل إذا كان إسرائيل، بشكل مباشر، ويُلمِّح إلى مسؤولية المقاومة إذا كان الحادث «غامضاً»، في مسعى إلى زرع الشقاق بين الجيش اللبناني والمقاومة
مثلاً في حادثة انفجار مخزن ذخيرة بعناصر من الجيش اللبناني، في 10 آب الماضي، عنونت الصحيفة صفحتها الأولى بـ«شهداء كمين حزب الله». أمّا في حادثة استشهاد اثنين من عناصر الجيش اللبناني بهجوم من مُسيّرة للاحتلال في الناقورة، في 28 آب الماضي، فلم يكن الخبر من أولوياتها، ولم يحتل مركز الصدارة في صفحاتها، ولم تُحمِّل إسرائيل مسؤولية قتل عناصر الجيش كما سبق أن حمّلت حزب الله، بشكل مباشر وواضح، المسؤولية في الحادث السابق، في إطار حملة ممنهجة ومستمرة.
على كل حال، فإن الأفق الزمني للحرب العسكرية والنفسية والإعلامية التي تخاض ضد المقاومة وبيئتها ليس واضحاً بعد، ولكنها ليست المرة الأولى التي يكون فيها شعب المقاومة تحت هذا الضغط الهائل والمتعدّد الأوجه.
قبل عام 2000 كانت الفكرة السائدة لدى مجموعة كبيرة من المجتمع اللبناني أن «العين لا تقاوم المخرز» ولا يمكن هزيمة إسرائيل. لكن عندما آمنت الحاضنة الشعبية للمقاومة بأنّ بالإمكان مواجهة العدو وإعلامه جاء التحرير، ولا تزال هذه الحاضنة تُثبِت، في كل مرة، أنها جديرة بتخطّي المصاعب والضغوطات والالتفاف حول المقاومة وخياراتها.